ابن قيم الجوزية

249

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

الزمان كزمان البرزخ والموقف ومدة الدنيا أيضا لا يساعد عليه وجه الكلام فإنه استثناء من جملة خبرية مضمونها أنهم إذا دخلوا النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء اللّه وليس المراد الاستثناء قبل الدخول هذا ما لا يفهمه المخاطب ألا ترى أنه سبحانه يخاطبهم بهذا في النار حين يقولون رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا فيقول لهم حينئذ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وفي قوله رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا نوع اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع الجن بنا واستمتعنا بهم فاشتركنا في الشرك ودواعيه وأسبابه وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك وانقضت آجالنا وذهبت أعمارنا في ذلك ولم نكتسب فيها رضاك وإنما كان غاية أمرنا في مدة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض ، فتأمل ما في هذا من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم ومعرفته وتوحيده ومحبته وإيثار مرضاته وهذا من نمط قولهم ( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ) وقوله فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ وقوله فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ونظائره والمقصود أن قوله إلا ما شاء اللّه عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصا بهم أو شاملا لهم ولعصاة الموحدين ، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له ، ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا الاستثناء يرجع إلى مدة البرزخ والموقف وقد تبين ضعف هذا القول ، ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار ( قالوا ) والمعنى أنكم في النار أبدا إلا ما شاء اللّه أن يعذبكم بغيرها وهو الزمهرير وقد قال تعالى إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً قالوا والأبد لا يقدر بالأحقاب وقد قال ابن مسعود في هذه الآية ليأتين على جهنم زمان وليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا ، وعن أبي هريرة مثله حكاه البغوي عنهما ثم قال ومعناه عند أهل السنة إن ثبت أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان ( قالوا ) قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن مسعود وعبد اللّه بن عمر وقد سأل حرب إسحاق بن راهويه عن هذه الآية فقال سألت إسحاق قلت قول اللّه تعالى خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ * فقال أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن حدثنا عبيد اللّه بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان قال قال أبي حدثنا أبو نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض أصحاب